ملا محمد مهدي النراقي

156

جامع الأفكار وناقد الأنظار

فان قلت : الأشعرية أيضا قائلون بحدوث العالم ، فما وجه تخصيص هذا النزاع بالفلاسفة والمعتزلة ؟ ؛ قلت : المراد انّ أثر النزاع في القدرة والايجاب بين الحكماء والمعتزلة ليس إلّا في قدم العالم وحدوثه - لأنّ الايجاب يستلزم القدم والاختيار يستلزم الحدوث - ، بل التحقيق - كما قيل - : انّ امتناع انفكاك العالم عن ذاته - تعالى - وامكان انفكاكه عنه معنى رابطي بين الفاعل - الّذي هو الله تعالى - وبين العالم - هو الفعل - . وهذا المعنى إن اعتبر من طرف الفاعل ويجعل صفة له سمّى بالايجاب والاختيار ، وان اعتبر من طرف الفعل سمّى بالقدم والحدوث ، فانّ المعتزلة لمّا وافقوا الحكماء في وجوب الفعل مع الإرادة وامكانه بدونها لا تبقى معهم مخالفة للحكماء في القدرة والايجاب إلّا فيما يترتّب عليهما من القدم والحدوث ؛ وأمّا الأشاعرة لمّا قالوا بصحّة الفعل والترك بالامكان الوقوعي وعدم وجوب صدور الفعل مع الإرادة أيضا فلم يقولوا بالايجاب مطلقا ، والفاعل في ايجاد العالم عندهم قادر مختار ، ولو فرض قدم العالم . فالمراد انّ أثر النزاع بينهم وبين الحكماء في القدرة والايجاب ليس في القدم والحدوث ، لا أنّهم ليسوا قائلين بالحدوث . فحاصل كلام الأشعرية انّ تأثير الواجب - تعالى - في ايجاد العالم ليس بايجاب أصلا ، بل بالقدرة والاختيار ؛ بل جوّزوا تأثير الفاعل المختار بلا مرجّح بدون الوجوب واللزوم بأن يكون المرجّح نفس إرادة الفاعل المختار . فالنزاع حقيقة بين الأشعرية والحكماء في مقامين : أحدهما : في أنّ ايجاد الفاعل المختار يجوز بلا مرجّح يوجب الفعل أم لا ؛ وثانيهما : في حدوث العالم وقدمه . فهم - أي : الأشعرية - قالوا : انّ اللّه - تعالى - احدث العالم في الوقت الّذي أراد في الأزل أن يحدثه بدون مرجّح غير تعلّق الإرادة ، وبالإرادة والاختيار يمكن الترجيح بدون المرجّح ، ولا يصير الفعل مع الإرادة واجبا . فحاصل النزاع بين الحكماء والمعتزلة هو أنّ الحكماء لمّا ذهبوا إلى وجوب الفعل عليه - تعالى - دائما وقالوا لا يمكن أن يتصوّر خلوه - تعالى - عن الفعل ولو في وقت موهوم أو في عدم بحت وليس محض لو وجد فيه موجود لكان ممتدّا ، ألجئوا إلى القول بالقدم ، فهم قائلون بالايجاب المطلق . والمعتزلة لمّا ذهبوا إلى أنّه